محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
713
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ أتتّبعونهم تقليدا ؟ ! فحذف جواب لو لدلالة الكلام عليه . الأسرار قال الذين عرفوا خطوات الشيطان فتركوها إلى سبل الرحمن : إنّ اللّه تعالى خاطب الناس خطابا عامّا بأن يأكلوا ممّا في الأرض حلالا طيّبا ، والحلال حكم شرعي ، والطيّب حكم طبعي ، وما هو مباح شرعا فهو طيّب طبعا ، وليس كلّ ما هو طيّب طبعا فهو حلال شرعا ، والطيّب ضدّ الخبيث كما أنّ الحلال ضدّ الحرام ، والحلال الطيّب من المأكولات إنّما يعرف بالسمع لا بالطبع ، وما يوافق الطبع ولا يوافق الشرع فهو من خطوات الشيطان ، أي مواقع أقدامه من الشبهات والشهوات . وكما في المأكولات حلال طيّب وحرام خبيث كذلك في المعقولات حقّ وحجّة وباطل وشبهة ، وكذلك في المقولات صدق وصواب وكذب وخطأ ؛ فتكون الحركات الثلاث - أعني الفعلية والعقلية والعملية - مقدرّة على تحسين الشرع وتقبيحه لا على تحسين العقل وتقبيحه ؛ فجميع محسّنات العقول ومقبّحاتها خطوات الشيطان ، وذلك يؤدّي إلى رفع الحلال والحرام والحقّ والباطل والصدق والكذب ؛ فإنّ من حكّم العقل فيها فكأنّه أفتى بأنّ الحركات كلّها مباحة إذا حكّم عقل واحد يكون أحد منها مباحا ، وأفتى بأنّها كلّها محظورة إذا حكّم عقل واحد يكون واحد منها محظورا ، ومن أفتى بأنّها كلّها مباحة فقد رخّص في قتل نفسه ، ومن أفتى بأنّها كلّها محظورة فقد حجر على نفسه جميع حركاته حتّى النّفس يتنفّس به فيلزمه الموت ؛ ومن أراد أن لا يقتل ولا يموت في الحال فلا بدّ أن يفتي بأنّ بعض الحركات مباح وبعضها محظور ، وقد أثبت لها حدودا هي حدود اللّه . ثمّ إن أفتى بأنّ كلّ عقل يهتدي إلى جميع حدودها فلزمه ما لزم على الأوّل ؛ فلا بدّ من واحد يعرف تلك الحدود بتعريف اللّه ويميّز بين المباح والمحظور بأمر من اللّه ، وذلك هو النبيّ صاحب الشريعة ، وتلك حدود اللّه وما سواه من الفتاوى على خلاف ذلك خطوات الشيطان ؛ وبالجملة كلّ ما يستند إلى نصّ من الكتاب والسنّة فهو حدود اللّه وكلّ ما يستند إلى الهوى والرأي فهو خطوات ( 291 ب ) الشيطان .